أبي منصور الماتريدي
17
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 4 إلى 6 ] وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 4 ) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 5 ) أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ( 6 ) قوله - عزّ وجل - : وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ . يحتمل : ما تأتيهم من آية من آيات توحيده ، أو من آيات إثبات رسالة محمد ونبوته صلّى اللّه عليه وسلم ، ويحتمل « 1 » في إثبات البعث والنشور بعد الموت ؛ لما أخبر أنه خلقهم من طين ، فإذا ماتوا صاروا ترابا ، فإذا كان بدء إنشائهم من طين ، فإذا عادوا إليه يقدر على إنشائهم ثانيا ؛ إذ ليس إنشاء الثاني بأعسر « 2 » من الأول . ثم يحتمل « 3 » الآيات آيات القرآن . ويحتمل الآيات ما كان أتى به رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم من الآيات سوى آيات القرآن « 4 » . ثم أخبر عن تعنتهم ومكابرتهم بقوله : وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ، فإذا أعرضوا عنها لم ينتفعوا بها ؛ ليعلم أنه إنما ينتفع بالآيات من تأملها ونظر فيها لا من أعرض عنها . ثم سورة الأنعام إنما نزلت في محاجة أهل الشرك ، ولو لم يكن القرآن معجزا كانت
--> ( 1 ) في ب : ومحتمل . ( 2 ) العسر ، بالضم وبضمتين ، قال عيسى بن عمر : كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم وأوسطه ساكن فمن العرب من يثقله ، ومنهم من يخففه ، مثل : عسر ، وعسر ، وحلم وحلم ، وبالتحريك : ضد اليسر ، وهو الضيق والشدة والصعوبة ويقال حاجة عسر ، وعسير : متعسرة . ينظر تاج العروس ( 13 / 28 ) ، لسان العرب ( عسر ) . ( 3 ) في ب : ومحتمل . ( 4 ) منها على سبيل المثال قصة نبع الماء من بين أصابع النبي صلّى اللّه عليه وسلم تكررت منه في عدة مواطن ، في مشاهد عظيمة ، ووردت عنه من طرق كثيرة يفيد عمومها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي . ولم يسمع بمثل هذه المعجزة العظيمة من غير نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ، حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ، ولحمه ودمه . ينظر هذه المعجزات في سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ( 10 / 13 ) ، والمواهب اللدنية ( 5 / 152 ) ، ودلائل النبوة لأبي نعيم ( 2 / 144 ) ، وتنوير الحوالك شرح موطأ مالك للسيوطي ( 1 / 54 ) ، والموطأ ( 1 / 54 ) ، وصحيح البخاري ( 4 / 233 ) ، وصحيح مسلم ( 7 / 59 ) ، وسنن النسائي ( 1 / 52 ) ، وسنن الترمذي ( 5 / 69 ) ، وشمائل الرسول لابن كثير ( 177 ) ، والشفا للقاضي عياض ( 1 / 186 ) ، والتاج الجامع للأصول ( 3 / 276 ) ، والبداية والنهاية لابن كثير ( 6 / 93 ، 94 ) ، والمسند ( 3 / 170 ، 215 ) ، وسنن البزار ( 3 / 137 ) ، وموطأ مالك ( 1 / 54 ) ، ومشكل الآثار ( 4 / 332 ) ، والدر المنثور ( 4 / 185 ) ، والبغوي ( 4 / 162 ) ، وكنز العمال ( 5496 ) .